الشيخ محمد رشيد رضا

340

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شيء بسبب التوسع في العمران يتوقف عليه حفظه وتعميم دعوته النافعة قاموا به حق القيام ، وعدوا القيام به من الدين عملا بمثل هذه الآية وغيرها من الآيات ، ومضوا على ذلك قرونا كانوا فيها أبسط الأمم وأعلاها حضارة وعمرانا ، وبرا وإحسانا ، إلى أن غلا أقوام في الدين واتبعوا سنن من قبلهم في اهمال مصالح الدنيا ، زعما أن ذلك من الزهد المطلوب ، أو التوكل المحبوب ، وما هو منهما في شيء ! وكان من أثر ذلك أن أهملت الشريعة فلا توجد حكومة اسلامية على وجه الأرض تقيمها ، لأنه لا يوجد من أهلها من يصلح لحكم الناس في هذه العصور التي اتسعت فيها مصالح الأمم والحكومات ، بالتوسع في العلوم والصناعات وارتباط العالم بعضه ببعض ، ثم صار علماء المسلمين أنفسهم يعدون الاشتغال العلوم والفنون التي تتوقف عليها مصالح الدنيا صادة عن الدين مبعدة عنه ، بل يوجد فيهم من يقول إنها مفسدة لعقائده مفضية إلى الخروج منه . وهذا هو دخول جحر الضب الذي دخله من قبلنا وهو كما ترى خروج عن هدى القرآن ! وقد يقال إذا كان المنقطع لعلوم الدين لا يأمن على عقيدته أن تذهب ودينه أن يفسد إذا هو تفكر في مصالح الدنيا وعرف العلوم التي لا تقوم هذه المصالح يدونها ، فكيف يكون حال من يدرسون هذه العلوم الدنيوية من المسلمين وليسوا على شيء يعتد به من العلوم الدينية ؟ لا جرم أن هذا قضاء على الاسلام ، بأنه آفة العمران ، وعدو العلم والنظام ، وهو قضاء جائر يبطله القرآن ، وتنقضه سيرة السلف الصالحين الذين سبقونا بالايمان ، ولكن اين من يتبعهما الآن ؟ ! وقد قام فريق من الذين لم ينظروا في كتاب اللّه مرة نظرة معتبر ، ولم يتلو منه آية تلاوة مفكر متدبر ، يقسمون المسلمين إلى قسمين : قسم لا نجب المبالاة بدينه ، ولا يهتم به في شكه أو يقينه ، فله أن يتعلم ما يشاء صحت عقيدته أو فسدت ، صلحت أعماله أو خسرت . وقسم آخر نجب أن بصان عقله عن كل فكر ، ويحاط بجميع الوسائل التي تمنعه من النظر فيما عليه الناس من خير وشر ، وما يعرض في الكون من نفع وضر ، كيلا يفسد النظر عقيدته ، ويضل الفكر السليم بصيرته ، وهذا القسم هو الذي تفوض اليه الرياسة الدينية ، ويعهد اليه بقيادة الأمة في صلاح